بحث متقدم
الزيارة
7794
محدثة عن: 2008/04/17
خلاصة السؤال
إن كان معاوية كافرا فلماذا صالحه الإمام الحسن (ع) و سلمه زمام الخلافة؟
السؤال
تقول الشيعة أن معاوية كان كافرا، فلماذا نرى أن الإمام الحسن بن علي (ع) الذي هو إمام معصوم كما يعتقد الشيعة، قد صالح معاوية و سلمه زمام الخلافة؟ إذن لابد للشيعة أن يقولوا أن الإمام الحسن (ع) قد تنحى عن الخلافة لصالح إنسان كافر، و هذا ما يتعارض مع عصمته! أو أن يقبلوا بأن معاوية كان مسلما!
الجواب الإجمالي

بشهادة كتب أهل السنة إن معاوية قد تعدّى حدود الشرع مرارا  من قبيل شربه للخمر و قد أحدث بدعا كثيرة كابتداع الأذان في صلاة العيدين و إقامة صلاة الجمعة في يوم الأربعاء و … و هذا ما لا يبقي مجالا لأي مماشاة و مسامحة.

و من جانب آخر و بشهادة التاريخ، إن صلح الإمام الحسن (ع) لم يكن عن رضا، بل بعدما فرّق معاوية في جيش الإمام الحسن و تيقن الإمام من مقتل جميع أصحابه القلة دون فائدة إن استمر بالقتال، خضع الإمام (ع) للصلح حفاظا على الدين و أرواح المسلمين. كما أن النبي الأعظم (ص) وافق على صلح الحديبية مع المشركين حفاظا على الدين و أرواح المسلمين و لم ير ذلك منافيا لعصمته. إذن هذا الصلح المفروض الذي لا شك في أنه كان من أجل مصلحة الإسلام و المسلمين لم يتعارض مع عصمة الإمام (ع). 

الجواب التفصيلي

جدير بنا أن نسأل السائل المحترم عن هدفه من طرح هذا السؤال؛ فهو بصدد بيان ماذا؟ هل يريد أن ينزه سمعة معاوية عن ما ينسب إليه؟ أو لديه أسئلة حقيقية عن صلح الإمام الحسن (ع) سبط رسول الله (ص) و مبادرته بأن هل يمكن من اجل حفظ بعض المصالح الأعلى يصالح الإنسان مع من لا يعتقد بالأصول الإسلامية؟ على أي حال، يعتقد الشيعة أن القول بالشهادتين تكفي في ثبوت الإسلام، و لكن هذا لا يعني أن كل من دخل في الإسلام ملتزم بأصوله و قيمه. و قد وردت روايات كثيرة عن طرق الشيعة و إخواننا من أهل السنة في حق معاوية بحيث تشهد بعدم التزامه العملي بالأصول الإسلامية.

هنا نشير إلى بعض الروايات الواردة عن طرق إخواننا السنة:

روى أحمد بن حنبل عن طريق عبد الله بن بريدة أنه قال: دخلت أنا و أبي على معاوية فأجلسنا على الفراش ثم أكلنا ثم شرب معاوية فناول أبي ثم قال ما شربته منذ حرمه رسول الله[1] في حين أن النبي (ص) قد قال: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وثَن.[2] هو أول شخص ابتدع الأذان في صلاة العيدين خلافا لسنة النبي و حتى الخلفاء.[3] مع أن عدم مشروعية الاذان و الإقامة في غير الصلوات الواجبة من مسلمات جميع المذاهب الفقهية. يقول ابن عباس و جابر: لم يكن يؤذن يوم الفطر و لا يوم الأضحى.[4] و أقام صلاة الجمعة لأهل الشام يوم الأربعاء. حيث روى المسعودي: و لقد بلغ من أمرهم (أهل الشام) في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء.[5] إلى غيرها من الأعمال التي تدل كلها على عدم التزامه بالأصول الإسلامية.

أليس عجيبا من إخواننا أهل السنة الذين يفتخرون بتمسكهم بسنة النبي (ص) أن يدافعوا عن مثل هذا الإنسان؟

و الأعجب هو أنهم قد جعلوه في مقابل شخص حملت كتب الشيعة و السنة بين طياتها كثيرا من أحاديث الرسول (ص) في مدحه و شأنه، و قد روى النسائي في كتابه خصائص أمير المؤمنين علي (ع) بعضا منها. من قبيل ما قال الرسول (ص): "الحسن و الحسين ريحانتاي من الدنيا" و "الْحَسَنَ و الْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ولَدَاي"[6]

أما إذا كان مقصود السائل هو أسباب صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية، و عن طريق القول بأن الإمام الحسن (ع) لا يصالح إنسانا مثل هذا، أراد أن يخطّئ موقف الشيعة من معاوية، فنشير باختصار:

لقد بلغ الإمام الحسن (ع) منصب الإمامة بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع). و منذ البداية كان أكبر مشكلة تواجه الإمام (ع) وجود معاوية و تصرفاته. إذ ما انفك معاوية عن المؤامرة و اللجاجة بعد إمامة الإمام الحسن (ع) و بدأ يخالف الإمام الذي كان إماما بنص حديث الرسول (ص) و قد بايعه الناس أيضا. لقد أرسل الإمام الحسن (ع) رسائل إليه إتماما للحجة و قد ذكرت هذه الرسائل في التاريخ.[7] و لكن لم تجدِ هذه الرسائل و اتجه معاوية بجيشه إلى العراق معتديا. لقد استطاع الإمام (ع) بتحمل المشقات و تضحيات بعض أنصاره أن يعدّ جيشا لمواجهته، و لكن سرعان ما تزعزع هذا الجيش الفاشل أمام إغراءات معاوية حتى فرّ قائد جيش الإمام الحسن (ع) إلى معاوية طمعا بالوعود المغرية التي تلقاها من معاوية.[8] عندما شاهد الإمام الحسن (ع) هذا الجفاء من أنصاره جمعهم و خطب فيهم علهم يرجعوا و يحاربوا معاوية، و لكنهم اثاقلوا و لم يبدوا أي استعداد لطاعة الإمام، فقال الإمام (ع): "إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح و كرهوا الحرب، فلم اُحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقياً على شيعتنا خاصة من القتل، و رأيت دفع هذه الحرب إلى يوم ما، فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن"[9] فنظرا إلى هذه الظروف و سياسة التفريق التي اتخذها معاوية تجاه أهل الكوفة، و سأم الناس من الحرب، وقع هذا الصلح دون رغبة فيه، و هذا لا يتنافى مع عصمة الإمام كما لا يبرر موقف الطرف الآخر. كيف يتعارض مع عصمة الإمام (ع) في حين أن جده النبي المصطفى (ص) قد أمضى على صلح الحديبية[10] وقاية عن إيذاء مشركي مكة، و اللطيف أن معاوية و أبوه أبوسفيان كانا في جبهة الخصم و جبهة المشركين آنذاك.[11] و لكن لم تعتري شخصية النبي شبهة في عصمته أو لم يستدل أحد على إسلام و إيمان المشركين محتجا بصلح النبي مع المشركين الذين كانوا يعبون الأوثان علنا‼! ألم يتم هذا الصلح لأغراض و مصالح أكبر؟! ألا يمكن أن يقدم الإمام على مثل هذه الإجراءات في سبيل مصالح أهم و أخطر؟! ألا يفهم موقف النبي (ص) في هذا الإطار؟!

إن هذا الاستدلال مضحك بهذا الوضوح و في نفس الوقت مؤلم، بحيث يأتي أناس و يدعون بأنهم يستطيعون أن يضلوا الشباب المؤمنين و أولي العقائد الراسخة بمثل هذه الأسئلة و الشبهات السخيفة.

 


[1] مسند أحمد، ج 6، ص 476، ح 22433.

[2] الترغیب و الترهیب، ابن منذر، ج 3، ص 102، نقلا عن و اقعه ی عاشورا و پاسخ به شبهات، علی اصغر رضوانی، ص 56.

[3] تاریخ الخلفاء، السيوطي، ص 187، طبع دارالفکر، بیروت.

[4] صحیح البخاري، ج 10، ص 327، ج 917.

[5] مروج الذهب، المسعودي، ج 3، ص 42.

[6] الخصائص، النسائي، ص 106 إلى 108، طبع مكتبة العصرية.

[7] زندگی امام حسن مجتبی (ع) سید هاشم رسولی محلاتی، ص 202 إلى 210.

[8] المصدر نفسه، ص 214.

[9] إعلام الهدایه، کتاب الإمام الحسين (ع)، ص 147 نقلا عن اخبار الطوال، 221.

[10] پیامبر امی، الشهيد آیة الله مطهری، ص 27.

[11] و اقعه عاشورا، علی اصغر رضوانی، ص 54.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279852 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258218 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128610 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114497 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89274 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60471 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59968 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57121 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50650 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47450 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...